الشيخ محمد رشيد رضا
66
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 3 : 75 وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) الآية . وقال تعالى فيهم ( 7 : 159 وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) وقال فيهم وفي النصارى ( 5 : 66 مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) وسيأتي تفسيرها . فقد أثبت لبعضهم الايمان والاقتصاد أي الاعتدال في الدين والهداية بالحق والعدل . وقال ( 4 : 162 لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) فجعل أهل العلم الذين يفهمون الدلائل والبراهين وأهل الايمان المخلصين الذين يتحرون الحق هم الذين يقبلون دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقوة استعدادهم . ولكن المفسر المتشبع بأحوال أمته الذي لم يختبر غيرها ولم يكن عارفا بطبائع الملل وحقائق الاجتماع البشرى لا يكاد يتصور أن الايمان والاخلاص والتقوى توجد عند غير أهل ملته فهو يطبق الآيات على اختباره واعتقاده . وقد تذكرت الآن ما قالته تلك المرأة الإفرنجية للأستاذ الامام في مدينة جنيف عاصمة سويسرا وكانت امرأة عالمة تقية راقبت سير الأستاذ الامام في مصيفه هناك لغرابة زيه ودينه ثم قالت له بعد ذلك : إنني لم أكن أظن ولا يخطر في بالى قبل معرفتك أن القداسة والتقوى توجد في غير المسيحية وجملة القول : أن القرآن يبين حقائق ما عليه الأمم في عقائدها وأخلاقها وأعمالها يزن ذلك بالقسطاس المستقيم والدقة التي نراها في تحريه الحقيقة لم نعهدها في كتاب عالم ولا مؤرخ . فإذا نحن جمعنا ما حكم به على أهل الكتاب وغيرهم وعرضناه على علمائهم وفلاسفتهم ومؤرخيهم فإنهم يذعنون بأنه لباب الحقيقة بل هم يصرحون بأنه لولا غلبة الضلال والفسق والكفر عليهم في عصر ظهور الاسلام لما انتشر ذلك الانتشار السريع . ولكن وجد فينا من طمس هذه المزية وجعلوا كل ما ينكره القرآن من فساد الأمم من قبيل هجو غير المسلمين ؛ وكل ما يحمده هو خاص بالمسلمين ؛ حتى كأنه شعر لا يقصد منه إلا مدح أناس وذم آخرين ، وبهذا ينفرون غير المسلمين من الاسلام ويحولون بين المسلمين وبين العبرة والاتعاظ وفهم الحقائق ولهذا البحث بقية تأتى في تفسير « ليسوا سواء » الخ واستدل بعض المفسرين بالآية على حجية الاجماع المعروف في الأصول فحملها ما لا تحمل ثم قال تعالى في أولئك الفاسقين من أهل الكتاب ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً )